أحمد بن محمود السيواسي
129
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الناس وخبره محذوف ، أي وكثير منهم مثاب ، يدل عليه قوله ( وَكَثِيرٌ ) منهم ( حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ ) أي وجب بترك السجود للّه تعالى في الدنيا كالمشركين وبترك الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وإن سجدوا له تعالى كاليهود والنصارى ( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ ) أي يخذله بالشقاوة في قضائه ( فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ) أي من « 1 » معز بالسعادة ( إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ) [ 18 ] من الإهانة والإكرام في خلقه . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 19 ] هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) ( هذانِ خَصْمانِ ) نزل في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث حين بارزوا ببدر إلى عتبة وشيبة والوليد بن عتبة « 2 » ، والخصم صفة يوصف بها الفريق أو الطائفة أو طائفتان ( اخْتَصَمُوا ) بالجمع ردا إلى المعنى ، أي تجادلوا ( فِي رَبِّهِمْ ) أي في دينه ، ثم بين مصير كل من الفريقين بقوله ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا ) الفاء للتفسير وقطع الخصومة ، أي الذين جحدوا دين الإسلام ( قُطِّعَتْ ) أي هيئت ( لَهُمْ ثِيابٌ ) يلبسونها ( مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ) [ 19 ] أي الماء الذي انتهى حره ، قيل : « يضرب الملك رأس الكافر بالمقمع من حديد فيثقب رأسه ثم يصب عليه الحميم » « 3 » . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 20 ] يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( 20 ) ( يُصْهَرُ بِهِ ) أي يذاب بالحميم المصبوب على رؤوسهم ( ما فِي بُطُونِهِمْ ) من شحوم غيرها فيقطعها ويخرج من أدبارهم ( وَالْجُلُودُ ) [ 20 ] أي يذاب الجلود أيضا فتسلخ . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 21 ] وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ( 21 ) ( وَلَهُمْ مَقامِعُ ) جمع مقمعة ( مِنْ حَدِيدٍ ) [ 21 ] وهي سياط مختصة بهم يضربون بها على هامتهم . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 22 إلى 23 ] كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 22 ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 23 ) ( كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها ) أي من النار ( مِنْ غَمٍّ ) بدل من « مِنْها » ، أي من الشدة التي أدركتهم من ضرب المقامع ( أُعِيدُوا فِيها ) أي ردوا إليها ( وَ ) يقال لهم ( ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) [ 22 ] أي المحرق بالدوام ، قيل : « إذا ضربتهم الزبانية المقامع يسقطون إلى قعر النار سبعين خريفا » « 4 » ، ثم تضربهم النار بلهبها فتلقيهم إلى أعلاها فيقصدون الخروج منها فيعيدون الضرب عليهم كذلك ، هذا جزاء أحد الخصمين « 5 » ، ثم بين جزاء الخصم الآخر بقوله ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ ) أي يلبسون الحلي « 6 » ( فِيها ) أي في الجنة ( مِنْ أَساوِرَ ) جمع سوار وهو القلب ، و « مِنْ » للتبعيض ، أي بعض أقلبه ( مِنْ ذَهَبٍ ) « مِنْ » للبيان ( وَلُؤْلُؤاً ) أي ويؤتون لؤلؤا ولا يجوز عطفه بالنصب على محل « مِنْ أَساوِرَ » ولا على لفظها على قراءة الجر أيضا « 7 » ، إذ اللؤلؤ لا يلبس ، فينتصب محله بمضمر يدل عليه « يُحَلَّوْنَ » كما ذكروه ، و « مِنْ » في « لُؤْلُؤاً »
--> ( 1 ) من ، و : - ح ي . ( 2 ) عن أبي ذر الغفاري ، انظر السمرقندي ، 2 / 389 ؛ والواحدي ، 257 . ( 3 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 2 / 389 . ( 4 ) عن الحسن ، انظر الكشاف ، 4 / 80 . ( 5 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 389 ؛ والكشاف ، 4 / 80 . ( 6 ) الحلي ، ح ي : - و . ( 7 ) « وَلُؤْلُؤاً » : قرأ المدنيان وعاصم ويعقوب بنصب الهمزة الثانية وغيرهم بخفضها ، وأبدل الهمزة الأولى واوا ساكنة مدية وصلا ووقفا شعبة والسوسي وأبو جعفر ، وفي الوقف حمزة ، وأما الثانية فلحمزة وهشام فيها الإبدال واوا ساكنة مدية ، وتسهيلها بين بين مع الروم وهذان الوجهان قياسيان . البدور الزاهرة ، 214 .